عبد الله بن أحمد النسفي

419

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 63 إلى 66 ] تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) لَلْحُسْنى « 1 » وأنّ لهم الحسنى بدل من الكذب لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ مفرطون نافع ، مفرّطون أبو جعفر ، فالمفتوح بمعنى مقدّمون إلى النار معجّلون إليها من أفرطت فلانا وفرّطته في طلب الماء إذا قدمته ، أو منسيّون متروكون من أفرطت فلانا خلفي إذا خلّفته ونسيته ، والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي ، والمشدد من التفريط في الطاعات ، أي التقصير فيها . 63 - تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ أي أرسلنا رسلا إلى من تقدّمك من « 2 » الأمم فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والتكذيب بالرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ أي قرينهم في الدنيا تولّى إضلالهم بالغرور ، أو الضمير لمشركي قريش ، أي زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم ، أو هو على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في القيامة . 64 - وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ للناس الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هو البعث ، لأنه كان فيهم من يؤمن به وَهُدىً وَرَحْمَةً معطوفان على محلّ لتبيّن إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام على لتبيّن لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . 65 - وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع إنصاف وتدبر ، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه لا يسمع . 66 - وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وبفتح النون نافع وشامي وأبو بكر . قال الزّجّاج سقيته وأسقيته بمعنى واحد ، ذكر سيبويه الأنعام في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ولذا رجع الضمير إليه مفردا ، وأما في بطونها في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع ، وهو استئناف ، كأنه قيل كيف العبرة ؟ فقال : نسقيكم مما

--> ( 1 ) فصلت ، 41 / 50 . ( 2 ) في ( أ ) إلى الأمم .